محمد بن عبد الله الصفار
105
رحلة الصفار إلى فرنسا
والعناية . إن فرنسا هي بلاد النهج القويم والتخطيط البديع ، والبلد الذي أخضعت فيه الطبيعة للإنسان ، والوطن الذي روض سكانه حتى يكونوا طائعين لحكامهم . وأمام كل هذا الواقع ، ما كان منه إلا أن أبدى حسرته على ما كانت تعرفه بلاده من نقيض لكل ذلك : « مع ضعف الإسلام وانحلال قوته واختلال أمر أهله ، فما أحزمهم وما أشد استعدادهم ، وما أتقن أمورهم وأضبط قوانينهم . وما أقدرهم على الحروب ، وما أقواهم على عدوهم ، لا بقلوب ولا بشجاعة ولا بغيرة دين ، إنما ذلك بنظامهم العجيب وظبطهم الغريب ، واتباع قوانينهم التي لا تنخرم » « 1 » . وفي الوقت الذي سلم فيه الصفار بتحكم الفرنسيين في مقاليد الأمور ، وحقيقة الواقع تؤيد ذلك ، فإنه قد كان أيضا على إدراك تام بأن ذلك النظام الظاهر للعيان بمعالمه الواضحة ينم عن وجود تخطيط عميق تندرج فيه كل مكونات المجتمع بشكل يجعلها جميعها مسخرة لخدمة الإنتاج . ويكمن هنالك السر العجيب لتلك القوة الخفية التي يلمسها ويحس بها غير الأوربيين عند مشاهدتهم ذلك النظام الذي يعم كل مظاهر الأشياء وجل جوانب الحياة الأوربية . إن الأطفال المهذبين ، وصفوف الأشجار المنتظمة مؤشرات خارجية نابعة في أصلها من وجود نظام اجتماعي يشك فيه الصفار ويخشى أن يكون غير متلائم مع ما هو سائد في بلده المغرب . إذ يبدو للصفار بأنه نظام معقلن ، شديد الفعالية ، وأحكمت كل عناصره لتحقيق غايات اقتصادية بدلا من مقاصد دينية . ولا حاجة لنا إلى القول إن ذلك النظام الاجتماعي قد بدا أيضا لمحمد الصفار متميزا جدا بشموليته وقوته ، إلى درجة أن مجرد التفكير في مجاراته أو الدخول في مافسة معه قد يكون كافيا ليخلق في نفسه مشاعر اليأس « 2 » . لقد أتيحت للصفار وهو في أوروبا فرصة الإطلالة على عالم آخر ، فشاهد ما يمكن للعقل البشري تحقيقه حينما يفسح أمامه المجال لممارسة قدراته الإبداعية ، غير أن ذلك العالم كان بعيد المنال . صحيح أن هنالك بعض المخترعات في فرنسا التي
--> ( 1 ) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب . ( 2 ) حول تأثير الأفكار الأوربية المتعلقة بالتنظيمات في مصر القرن التاسع عشر انظر : Timothy Mitchell , Colonizing Egypt ( Cambridge , 1988 ) , ch . 1 .